مجموعة مؤلفين
120
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
إشعاعها إلى المسيحية عن طريق القديس فرنشسكو الأسّيزى والطريقة الفرنشسكانية ، ولعل هذا هو الذي يفسر سمّو روحانيتها على سائر الطرق الرهبانية . والحقيقة الثانية في كلام أبى مدين عن نفسه هي أنه عرف هنا في فاس طريقه إلى اللّه . وهذا أيضا شأن ابن عربى . لقد قدم إلى فاس لأول مرّة سنة 591 ه ( 1194 م ) ، وفيها تنبأ أن جيش الموّحدين سينتصر على ألفونسو الثامن ، وصحّت نبوءته ، إذ انتصر سلطان الموّحدين ، يعقوب المنصور ، على ألفونسو الثامن في سنة 491 ه وأوقع به هزيمة منكرة في الموقعة المشهورة بموقعة « الأرك » Alarcos . وقدم فاس مرة ثانية سنة 593 ه ، وهنا في هذه المرّة أطال المقام ، وعكف على الدراسة والمجاهدة ، مفضلا القعود في المسجد الأزهر وبستان ابن حيّون . فكان يقضى ساعات طويلة في المسجد الأزهر للصلاة ، وحضور درس الشيخ أبى عبد اللّه محمد ابن قاسم بن عبد الرحمن بن عبد الكريم التميمي الإمام بالمسجد الأزهر ، وصاحب كتاب « المستفاد في ذكر الصالحين من العباد » ؛ وقد سمع ابن عربى هذا الكتاب منه قراءة عليه سنة 593 ه . وفي فاس ظهرت عليه الأحوال الصوفية الخارقة لأول مرّة ، إذ لاحظ ذات مرة وهو يصّلى العصر في المسجد الأزهر أن نورا باهرا يضئ على كتفه أكشف من الذي بين يديه ، وغمر في نور جعله لا يشعر بالجهات ، بل أحسّ بأنه مثل الكرة لا يعقل لنفسه جهة إلا بالفرض لا بالوجود « 1 » . - وفي بستان ابن حيّون كان يجتمع حوله الأتباع والمريدون الذين بدءوا يتكاثرون عليه ، ويلقى عليهم محاضرات صوفية ، ويشرف على رياضاتهم الروحية . وهنا في بستان ابن حيّون - فيما يذكر ابن عربى - اجتمع بقطب الزمان لأول مرة . وهكذا نرى أن مدينة فاس كانت أيضا مهبط الرسالة الروحية على ابن عربى ، كما كانت على شيخه أبى مدين .
--> ( 1 ) راجع « الفتوحات المكية » ج 2 ص 640 .